محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها ، ولا حجة بذلك كذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم به أعداءكم من المشركين ، وهو كقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباس وغيره . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يعني : لا تستحلوا قتالا فيه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : كان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت ، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت . وأما الشهر الحرام الذي عناه الله بقوله : وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ فرجب مضر ، وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال . وقد قيل : هو في هذا الموضع ذو القعدة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قال : الشهر الحرام هو ذو القعدة . وقد بينا الدلالة على صحة ما قلنا في ذلك فيما مضى ، وذلك في تأويل قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ القول في تأويل قوله تعالى : وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ أما الهدي : فهو ما أهداه المرء من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك إلى بيت الله ، تقربا به إلى الله وطلب ثوابه . يقول الله عز وجل : فلا تستحلوا ذلك فتغضبوا أهله عليه ، ولا تحولوا بينهم وبين ما أهدوا من ذلك أن يبلغوا به المحل الذي جعله الله محله من كعبته . وقد روي عن ابن عباس أن الهدي إنما يكون هديا ما لم يقلد . حدثني بذلك محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَا الْهَدْيَ قال : الهدي ما لم يقلد ، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده . وأما قوله : وَلَا الْقَلائِدَ فإنه يعني : ولا تحلوا أيضا القلائد . ثم اختلف أهل التأويل في القلائد التي نهى الله عز وجل عن إحلالها ، فقال بعضهم : عنى بالقلائد : قلائد الهدي ؛ وقالوا : إنما أراد الله بقوله : وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ ولا تحلوا الهدايا المقلدات منها وغير المقلدات ؛ فقوله : وَلَا الْهَدْيَ ما لم يقلد من الهدايا ، وَلَا الْقَلائِدَ المقلد منها . قالوا : ودل بقوله : وَلَا الْقَلائِدَ على معنى ما أراد من النهي عن استحلال الهدايا المقلدة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَلَا الْقَلائِدَ القلائد : مقلدات الهدي ، وإذا قلد الرجل هديه فقد أحرم ، فإن فعل ذلك وعليه قميصه فليخلعه . وقال آخرون : يعني بذلك : القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة من لحاء السمر ، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها ، من الشعر . ذكر من قال ذلك : حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ قال : كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد ، فإذا رجع تقلد قلادة القلائد شعر فلم يعرض له أحد . وقال آخرون : بل كان الرجل منهم يتقلد القلائد إذا أراد الخروج من الحرم أو خرج من لحاء شجر الحرم فيأمن بذلك من سائر قبائل العرب أن يعرضوا له بسوء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن مالك بن مغول ، عن عطاء : وَلَا الْقَلائِدَ قال : كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم ، يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم ، فنزلت : لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الآية ، وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَلَا الْقَلائِدَ قال : القلائد : اللحاء في رقاب الناس والبهائم أمن لهم . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ قال : إن العرب كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة ، فيقيم الرجل بمكانه ، حتى إذا انقضت الأشهر الحرم فأراد